محمد بن محمد ابو شهبة
493
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
يا رسول اللّه مرني بما شئت فقال : « قف مكانك ، ولا تترك أحدا يلحق بنا ، وأخف عنا » . وهكذا كان في أول النهار جاهدا « 1 » على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وكان في اخر النهار مسلحة له « 2 » قال سراقة : فسألته أن يكتب لي كتاب أمن ، فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أدم « 3 » ثم ألقاه إلي ، فأخذته ووضعته في كنانتي ثم رجعت « 4 » . ستلبس سواري كسرى ولم يقف الأمر في قصة سراقة عند هذه المعجزة الظاهرة البيّنة الدالة على حماية اللّه لنبيه وحفظه له ، بل تعدّاه إلى نبوءة أخرى ما كان يجول مصداقها بخلد إنسان قط إلا أن يكون نبيا يوحى إليه من ربه ، ذلك أنه لما همّ سراقة بالرجوع التفت إليه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقال : « كأني بك يا سراقة تلبس سواري كسرى » فقال سراقة متعجبا : كسرى بن هرمز ! ! قال : « نعم » . فرجع سراقة وهو في حيرة من أمر هذه النبوءة ، وتواردت على نفسه شتى الهواجس والخواطر والخلجات النفسية : محمد بن عبد اللّه الذي خرج مستخفيا مطاردا من قومه يخشى الطلب ، ويخاف الرصد ، ولا يكاد يأمن على نفسه من غوائل المشركين - يعدني سواري كسرى إنه للأمر العجب ! ! وفاء سراقة بما وعد وقد وفى سراقة بما وعد ، فجعل لا يلقى أحدا من الطلب إلا رده قائلا : كفيتم هذا الوجه ، فلما اطمأنّ إلى أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وصل إلى المدينة جعل سراقة يقصّ ما كان من قصته وقصة فرسه ، واشتهر هذا عنه ، وتناقلته الألسنة حتى امتلأت به نوادي مكة ، فخاف رؤساء قريش أن يكون ذلك سببا لإسلام بعض أهل مكة ، وكان سراقة أمير بني مدلج ، ورئيسهم فكتب أبو جهل إليهم :
--> ( 1 ) يريد النيل من رسول اللّه جهده . ( 2 ) مانعا له ، وحارسا له بسلاحه . ( 3 ) أدم : جلد . ( 4 ) صحيح البخاري ، باب هجرة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه إلى المدينة ، السيرة ج 1 ص 489